نشأت الحمارنة
26
تاريخ أطباء العيون العرب
كما نجم عنه ظهور شعور عال من الاحساس بالكرامة عند الفرد ، زادته عنفا ، اخلاق البادية وتقاليد القبيلة ، وحياة الغزو والحرب ، فتطور مجتمع البادية في غير اتجاه تطور المجتمعات المستقرة ، مجتمعات الطبقات المستغلة ، وظهرت في هذا المجتمع ميزات خاصة ، فكل فرد في مجتمع البدو كان محاربا كريما ، يتمتع بمستوى عال من الانفة ، لا يقبل الضيم ، ولا يرضى بالعار ، ويموت دون شرفه أو كرامته أو مثله . لذلك تبلورت في المجتمع البدوي في زمن الجاهلية اخلاق سامية ، ومثل عليا ، ظلت هي الأساس في التعامل بين الناس ، ونتعارف عليها اليوم بأنها « الاخلاق العربية » . هذه الاخلاق التي تحتم على البدوي ان يقري الضيف ، ويحمي الضعيف ، ويرعى الذمام ، وان يموت من اجل مبادئه . ولقد تطور مجتمع البدو في قلب شبه الجزيرة متأخرا عن تطور مجتمع اليمن والحيرة وغسان ، فجاء تطور مكة ويثرب متأخرا ، وفي الجاهلية ظهرت التجارة والأسواق وعرف الناس طرقا للقوافل تصلهم بجيرانهم . كل ذلك يشير إلى أن هؤلاء العرب ( البدو ) الذين يتحدث عنهم المؤرخون حينما يؤرخون للحياة العقلية والعلمية ، أو حينما يؤرخون للعلوم العربية - وخاصة الطب - لم يكونوا معزولين عن العالم المتحضر المحيط بهم ، ولم يكونوا أنفسهم قليلي التطور الذهني . بل إن شيوع المعرفة العلمية عندهم ، ربما كان أحسن من بعض طبقات المجتمع المستقر التي تسيطر عليه عقلية الكهانة التي يكون فيها العلم حكرا على فئة مختارة من الطبقات الارقى . والدليل على ذلك هو تطور اللغة العربية ، وغناها بالألفاظ المترادفة التي تشير إلى ثروة ذهنية ، وإلى نشاط في المعرفة العلمية ، مما يبرهن على أن عقل العربي في الجاهلية حيث تطورت اللغة العربية ، لم يكن عاجزا عن ادراك الفروق الدقيقة بين المعاني ، وبالتالي عبر عن هذه الفروق ، بوفرة المترادفات ، وغنى التعابير ، ومرونة اللغة .